محمد بن الطيب الباقلاني
151
الإنتصار للقرآن
ولقد كثر حفّاظ القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وانتشروا وعرفوا به حتى كانوا يدعون أهل القرآن وقرّاء القرآن والقراء من الصحابة ، وينادون به في المغازي وعند المعترك وشدة الحاجة إلى الجهاد والإذكار بالآخرة ، ويتنادون بأصحاب سورة البقرة ، هذا مع العلم بأن طالب القرآن منهم لم يكن يبدأ بتحفّظ البقرة وأمثالها وإن كان منهم الشاذّ النادر ممن يفعل ذلك ، وإنما كانوا يبدءون بالمفصّل وما خفّ وسهل حفظه على النفس ، وإنما كان يتعرّض لحفظ البقرة وأخواتها من الطّوال من قد حفظ سائر ما أنزل ولم يبق عليه منه إلا القليل ، وربما جعل البقرة آخر شيء يحفظه ، هذا هو العادة والمعروف من أحوال من سبقت هجرته وطالت صحبته ، وحال من ابتدأ الدخول في الإسلام ومن بلغ الحلم واحتاج إلى التعليم والتدريج ، فثبت بذلك أن أهل سورة البقرة إنما كانوا حفّاظ القرآن ، وكان يكنى بذكر البقرة عن حفظ سائر القرآن لكونها أصعب سورة منه وأطولها . وقد روى الناس « 1 » أنه لما كان يوم حنين خاضت بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وكانت بغلة بيضاء / ، فكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه أن ينهزم فاعتنق البغلة حتى مال السرج حتى كاد يقع عن بطنها ، قال عبد اللّه : فأتيته فأدخلت يدي تحت إبطه ، ثم رفعته حتى عدّلت السرج ، ثم قلت : « ارتفع رفعك اللّه » ، ثم أخذت بلجام البلغة فوجهتها في وجه العدو ، ونودي في الناس : يا أصحاب سورة البقرة ، يا أصحاب الصّفّة ، فأقبلوا بالسيوف كأنها الشهب ، وأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم ، فهزمهم اللّه جلّ وعزّ ، وفي رواية العباس مثل ذلك ، وأنه قال : فرمى بالتراب وقال :
--> ( 1 ) رواية يوم حنين وانحسار الناس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وثباته عليه الصلاة والسلام مروية في « صحيح مسلم » ( 3 : 1398 كتاب الجهاد ، باب في غزوة حنين برقم 1775 ) .